سجين العالم الأزرق (1)

سجين العالم الأزرق (1)

جود الشريف

 

 

تعِب قلبي في محاولاتي لإدراكِ سرِّ ذلك الانجذاب الذي وجدتُه في ولدي وزَوجتي نحوَ العالَم الأزْرَق المدعوِّ (فيسبوك)، منذُ خروجي مِن السِّجن، أفكِّر في سببِ ذلك التعلُّقِ العجيبِ به، فلا يكاد الواحدُ منهم يستيقظ مِن نومِه حتى يهرعَ إليه يَفتحه ويتفقَّد التحديثاتِ، ثم يطلُّ مِن حين لآخَر ليتابعها أولاً بأوَّل.

 

هل تُريد أن أُعرِّفك على الفيسبوك؟

بهذه الكلمات قطَع ابني صاحب الثمان السنوات جلسةَ صَمتي وتفكيري على شُرفةِ بيتي، بيتي الذي هجرتُه قبلَ ثمان سنوات تحديدًا؛ أعني: بعدَ زواجي بشهور حين دخلتُ السِّجن! وُلِد الطفل وتربَّى بعيدًا عني، خرجتُ لأجده أوشكَ أن يُصبح شابًّا.

 

ابتسمتُ بلُطف، أُعامله برِقَّةٍ بالغة؛ رغبةً مني في كسْر الحواجز التي صنَعها البُعدُ والسجَّان، قمتُ مستجيبًا لدعوته ليعرِّفني على صديقِه، بل أقصِد على العالَم الجديد الذي بُنِي وتطوَّر ونشأ وأنا بعيد، دخلتُ معه غرفتَه الخاصَّة ودِماغي مَرتع لأفكار متشتِّتة، أحيتِ اللحظاتُ ذِكرياتِ الشباب الذي فقدتُه مع سنوات السِّجن، كنت مولعًا بالتكنولوجيا، أُتابِع الإصداراتِ الجديدةَ فيها بشغَف، كان عندي اتِّصال (إنترنت) بنظام الكرت الذي بان عليه الزَّمان، وجهاز كان في حينه قيِّمًا، سأسأل زَوجتي عن مصيرِه، بَريدي الإلكتروني، لا شكَّ أنَّه أُغلق بطول الانقِطاع، كان لي فيه صديقٌ مِن الكويت عرفتُه مِن منتدى للتصميم، كنتُ نشيطًا فيه، يا للهول! كم هي الذكريات كثيرة! توقَّف سيلُ الأفكار على صوتِ نغمةِ الاستقبال والترحيب مِن الجهاز، فجرَت في ذاكرتي الصوتية مقارنة بين صوتِ الحاسوب القديم والآن، النِّظام مختلفٌ جدًّا، وإنْ كان ما زال هناك بعضُ تشابه، متَّصفح (الإكسبلورر) لم يَعُدِ الوحيد كما كنتُ أظنُّ، فهذا متصفح مِن (جوجل كروم) وآخَر من (فاير فوكس) وغيرهم، بمرونةٍ ومهارةٍ وسرعةٍ يتعامل ابني مع الجهاز، دخلتُ صفحة (الفيسبوك)، أو العالَم الأزْرَق، أوَّل ملاحظة فاجأتني، ابني يتعامَل مع النسخة الإنجليزيَّة، ظننتُها النسخةَ الوحيدة، فأخبرني أنَّه بإمكانك اختيار اللُّغة التي تُريد، لكنَّه يُفضِّل الإنجليزية؛ لكونه اعتادَ على شكل (الفيسبوك) بها، يا إلهي! عُقدة الطلاب القديمة مع الإنجليزية، هل تراها انتهتْ؟!

 

بدأ بجولةٍ تعريفيَّة، هذه صفحتي الشخصيَّة، تُزيِّنها في الأعلى صورةٌ شخصيَّة قد دمجت مع بيت خيالي، أتذكَّر جيدًا كم كنَّا نفرح حين يُكافئنا أبي باصطحابنا يومَ العيد للمصوِّر ليلتقطَ لنا الصور، وكم كنتُ سعيدًا عندما حصلتُ على كاميرا مع فيلم أعارني إيَّاها صديق لي!

 

بدأ بصورِ ملفِّه الشخصي، أو (البروفايل) بلُغتهم، صُور شخصيَّة متعدِّدة الزوايا والالتقاطات، صورة لحملةِ الإفراج عن الأسْرَى، وثانية تُعلن الإغلاق المؤقَّت لفترةِ الامتحانات، تلك الصورةُ بالتحديد مع العِبارة التي علتها (مُغلق closed) أوحتْ لي بشكلِ المحلاَّت القديمة التي كنتُ أمرُّ عليها وأنا طفلٌ وقتَ إغلاقها.

 

ثم انتقَل لقائمةِ العائلة، الكلُّ هنا على (الفيسبوك)، أعمامي عمَّاتي وبناتهم وأحفادهم، وجَدَّتي، وابنةُ عمِّ خال جدَّتي هي على (الفيسبوك)! عنده مِن الأقارب أيضًا.

 

صُور وكلمات، وتعبيرات وتأليفات، الجُدُر مزدانة بعباراتٍ مِن كلِّ ما تُريد، خليط مِن الحكمة والحبِّ والغزَل والفِسق والأغاني والقُرآن! لمعت برأسي عبارة قرأتُها قديمًا (حُبَّان لا يجتمعان: حبُّ الله وحبُّ المعاصي)،  أتراهم على جُدران (الفيسبوك) اجتمعوا؟

 

زخمٌ معلوماتي كبيرٌ أجراه أمامي، كأنِّي به مدرِّس محترِف أمامَ تلميذ جاهِل يُحاول استيعابَ ما يقول المدرِّس، ولا يكاد يفهم!

 

وقفةٌ طويلة مع قائمةِ الأصدقاء عندَه: أقرباء، وأقرباء أقرباء أقرباء الأقرباء! جارنا بائع الفلافل هو أيضًا أحَدُ أصدقائه! ثُلَّة مِن الدعاة والعلماء، ومِن سائرِ البلاد هناك أصدقاء، ذلك عرفتُه مِن مجموعةٍ نقاشيَّة، وآخَر مِن صفحة لهواة كُرة القدم.

 

• المراسلة في القديم – رحِم الله أيَّام مجلاَّت الطفولة والشباب!

 

ثم نقلني في جولةٍ بيْن صفحات متنوِّعة الأسماء والعناوين، عبارات شائِعة، أو مصطلحات خاصَّة جديدة، مدرستُه لها صفحة أيضًا، بل وبائع السَّحْلَب (مشروب يُصنع بالحليب)، قائمة طويلة مِن الأسماء المضحِكة الغريبة أَراني إيَّاها وهو ما زال يُخبرني أنَّ هناك المزيدَ!

 

توقفتُ عندَ صفحة أخبار، تهتمُّ بالأَسْرَى، صُور وتغطيات، ولقاءات ودعوات، وخلافات تُجرَى هنا في عالَم وهْميٍّ.

 

لا تَعرِف مَن تخاطبه أمامك، تجلس في بيتك مستلقيًا على سريرك لتتصلَ بأناس كان الوصولُ إليهم حُلمًا قبلَ سنوات قليلة.

 

اكتفيتُ حينَها بسيلِ المعلومات، وضقتُ ذَرعًا بما رأيتُ، وبالتعليقات المنشورة هنا وهناك، استأذنتُ طِفلي في الخروجِ لشرْب الماء، فأَقسم أن يأتيني هو بها، لم يُدركْ كم ضقتُ ذرعًا بهذا العالَم الغريب، خرجتُ مِن الغرفة على أنْ يكونَ لنا جلسةٌ أخرى مع ذلك العالَم الغريب، أو السِّجن الإلكتروني – كما  رأيتُه!

رابط الموضوع من موقع الألوكة : http://www.alukah.net/Culture/0/36472/#ixzz1kgzxsdUp
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: